Edito
10H06 - lundi 29 juin 2026

السلطان هيثم في باريس: لماذا تُعدّ عُمان شريكاً استثنائياً؟ مقال افتتاحي بقلم رضوان كوراك وميشيل توب

 

سلطان عُمان في باريس: فرنسا مخطئة إن هي استهانت بشريك استثنائي. افتتاحية بقلم رضوان كوراك وميشيل توب

في يوم الاثنين هذا، التاسع والعشرين من يونيو/حزيران، تستقبل فرنسا ضيفاً نادراً. فلأول مرة منذ نحو أربعة عقود، يقوم سلطان عُمان بزيارة دولة إلى باريس. وأبعد من البروتوكول، تشكّل زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق لحظة دبلوماسية كبرى، في وقت لا يزال فيه الشرق الأوسط يبحث عن توازنه بعد أشهر من التوترات والحرب.

وفي حين يبقى مضيق هرمز في صميم كل الهواجس الاستراتيجية، فإن إيمانويل ماكرون محقّ تماماً في استقبال نظيره فيما هو أكثر بكثير من مجرد محطة ثنائية. بل هي، على العكس، مناسبة لإعادة اكتشاف شريك متحفّظ لكنه أساسي، يتجاوز نفوذه إلى حدّ بعيد وزنه الديموغرافي أو العسكري.

ففي منطقة كثيراً ما تهيمن فيها موازين القوى على العلاقات الدولية، اختارت عُمان طريقاً آخر: طريق الحوار والحياد والوساطة.

وهذا التفرّد ليس وليد اليوم.

فمنذ أكثر من نصف قرن، بنت السلطنة نفسها حول عقيدة دبلوماسية بسيطة: التحدث إلى الجميع من دون الاصطفاف الكامل إلى جانب أيّ طرف. واشنطن، لندن، باريس، طهران، عواصم الخليج… وكذلك إسرائيل. فقبل وقت طويل من اتفاقيات أبراهام عام 2020، كان السلطان قابوس، سلف هيثم والمعروف بكاريزميته العالية، قد اختار الإبقاء على حوار مع الدولة العبرية. ففي عام 2018، استقبل رسمياً في مسقط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اقتناعاً منه بأنه لا يمكن بلوغ سلام دائم من دون إبقاء قنوات النقاش مفتوحة. وقد توفي قابوس في الواقع في يناير/كانون الثاني 2020، أي قبل أشهر عدة من توقيع اتفاقيات أبراهام. وعليه، فإن هذه الدبلوماسية المنفتحة كانت خاصية عُمانية، لا ثمرة لمسار التطبيع ذاك. وهكذا تدرك مختلف الأطراف المنخرطة في الأزمات الإقليمية أن في مسقط باباً يبقى دائماً مفتوحاً حين تُغلق الأبواب الأخرى.

ولم تُبنَ هذه السمعة من قبيل الصدفة.

ففي ظل حكم السلطان الراحل قابوس بن سعيد، الذي وافته المنية عام 2020 بعد خمسين عاماً في السلطة، غدت عُمان واحدة من أكثر الوسطاء احتراماً في العالم. فقد أسهم بلده، في كثير من الأحيان بأقصى درجات التكتّم، في التقريب بين خصوم يستحيل التوفيق بينهم، وفي تيسير مفاوضات نووية، وفي انتزاع إطلاق سراح رهائن، وفي الإبقاء على قنوات التواصل حين كانت كل دبلوماسية تبدو مستحيلة. وعند وفاته، حظي بتأبين نادر في إجماعه. فمن الولايات المتحدة إلى إيران، ومن ممالك الخليج إلى أوروبا، حيّا القادة جميعهم تقريباً رحيل رجل دولة يُنظر إليه بوصفه أحد صنّاع الاستقرار الإقليمي. ويبقى مثل هذا التقارب في عبارات التأبين أمراً استثنائياً بالنسبة إلى زعيم في الشرق الأوسط.

وفي الوقت نفسه، كان قابوس يحقّق تحوّلاً داخلياً استثنائياً.

فحين تسلّم السلطة عام 1970، كانت عُمان دولة فقيرة ومعزولة وقليلة التطور. وبعد خمسين عاماً، ترك خلفه بلداً عصرياً، مزوّداً ببنى تحتية جيدة، ونظام تعليمي ذي أداء عالٍ، وشبكة صحية متطورة، ومؤسسات راسخة، واستقرار بات شبه استثنائي في منطقة تهزّها النزاعات مع ذلك.

وقليلون هم القادة الذين تمكّنوا من تحويل أممهم إلى هذا الحد في جيل واحد.

أما خلفه، السلطان هيثم بن طارق، فلم يختر القطيعة، بل اختار الاستمرارية. وهو، وإن كان أقل حضوراً إعلامياً من سلفه، وأقرب إلى التكنوقراط منه إلى صاحب الكاريزما، يواصل مع ذلك الطموح نفسه: الحفاظ على الاستقرار السياسي للسلطنة مع إعداد اقتصادها لمرحلة ما بعد النفط. فمن خلال « رؤية عُمان 2040″، يراهن على التنويع الاقتصادي، والتقنيات الجديدة، والطاقات المتجددة، والسياحة، واللوجستيات، والجاذبية الدولية للبلد.

غير أنه على الصعيد الدبلوماسي بالأخص يبدو دوره اليوم أساسياً. فالحرب التي أشعلت المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة أعادت عُمان إلى قلب اللعبة الإقليمية. فبينما كانت الأسلحة تنطق، ظلّت مسقط تتحدث إلى كل طرف من الأطراف. وحيث اختار كثيرون معسكرهم، أبقت عُمان على قنوات النقاش. وتشكّل هذه القدرة على الاحتفاظ بثقة فاعلين متخاصمين مع ذلك واحدة من أبرز أوراقها اليوم.

فنحو خُمس التجارة العالمية للمحروقات كان لا يزال يمرّ حتى وقت قريب عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي. وأي توتر في هذه المنطقة ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، وعلى التجارة العالمية، وعلى الأمن الدولي. ولأن عُمان تتقاسم السيادة على هذا الممر مع إيران مع إبقائها على علاقات وثيقة بالقوى الغربية، فإنها على الأرجح الفاعل الوحيد القادر على تعزيز تهدئة دائمة.

وفي هذا السياق، يتجاوز اللقاء بين إيمانويل ماكرون والسلطان هيثم إلى حدّ بعيد إطار زيارة دولة تقليدية.

فهو يفتح نافذة فرصة لتعميق علاقة طال استغلالها دون المستوى المأمول.

تملك فرنسا مقوّمات صناعية وتكنولوجية وعلمية وعسكرية وطاقية معتبرة. أما عُمان، من جهتها، فتقدّم استقراراً سياسياً نادراً، واقتصاداً في طور تنويع كامل، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً عند مدخل الخليج، فضلاً عن دبلوماسية تحظى باحترام إجماعي.

وللبلدين كل المصلحة في تكثيف تعاونهما.

فسواء تعلّق الأمر بصناعات الدفاع، أو الذكاء الاصطناعي، أو البنى التحتية، أو الطاقات المنخفضة الكربون، أو الهيدروجين الأخضر، أو البحث العلمي، أو الثقافة، أو حتى التعليم العالي، فإن أوجه التكامل عديدة.

وفي وقت تزداد فيه الجيوسياسة العالمية تشظّياً، تكسب فرنسا لو ضاعفت شراكاتها مع دول قادرة على التحدث إلى الجميع.

وعُمان من هذه الدول تحديداً.

وتذكّر هذه الزيارة في الختام بحقيقة كثيراً ما تُنسى: ليست الأمم الأكثر نفوذاً هي دائماً الأقوى عسكرياً. فبعضها يمارس نفوذه بطريقة أخرى، عبر الثقة التي تبثّها، والاستقرار الذي تجسّده، ومصداقية كلمتها.

فمنذ أكثر من خمسين عاماً، فرضت سلطنة عُمان نفسها واحدة من هذه الدول النادرة.

ولذا فإن لدى فرنسا كل ما تكسبه من ترسيخ هذه الشراكة الاستثنائية وتعزيزها على نحو دائم.

وفي الختام، تجدر الإشارة إلى نقطة جوهرية: ثمة خصوصية أخرى تميّز عُمان عن سائر العالم الإسلامي. فمن بين نحو خمسين دولة ذات أغلبية مسلمة، تنفرد السلطنة بكونها الوحيدة التي يمثّل المذهب الإباضي ديانتها الغالبة، وهو تيار من الإسلام متمايز عن السنّة والشيعة. وقد نشأ المذهب الإباضي في القرن السابع الميلادي، وهو يدعو تقليدياً إلى الاعتدال والتشاور والتسامح الديني ونبذ التطرّف. وتُعدّ هذه الخصوصية الدينية أحد مفاتيح الثقافة السياسية العُمانية، القائمة منذ عقود على الحوار والاستقرار والبحث عن التوافق.

وعُمان، تلك المملكة الأخرى للإسلام المعتدل، على غرار ما حيّينا به المغرب عام 2016، يمكنها في اعتقادنا الراسخ أن تؤدي دوراً حاسماً في إعادة إطلاق اتفاقيات أبراهام وفي مصالحة طال انتظارها بين الشرق والغرب.

 

Radouan Kourak et Michel Taube

Trump, notre meilleur ennemi ? L’édito de Michel Taube

Trump, notre meilleur ennemi ? L'édito de Michel Taube
Pendant des années, Donald Trump a incarné pour une partie de l’Occident conservateur et libéral une forme de résistance face au politiquement correct, à l’effacement des frontières, à l’idéologie woke et aux…
Michel Taube

Can India Inspire Europe’s Digital Revolution?

L’Inde peut-elle inspirer la révolution numérique européenne ?
As Europe continues its endless debates over regulation, artificial intelligence and digital sovereignty, India has chosen a different path: treating digital technology not merely as a market, but as a public infrastructure…